أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
158
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
الباب السابع وبذلك افتتح الباب السابع فقال رضي اللّه تعالى عنه : 60 - ما بسقت أغصان ذلّ إلا على بذر طمع قلت : البسوق : هو الطول قال تعالى : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ ق : 10 ] ، أي طويلات ، والبذر : الزريعة ، والطمع : تعلق القلب بما في أيدي الخلق وتشوف القلب إلى غير الرب ، وهو أصل شجرة الذل ، فما بسقت أغصان شجرة الذل إلا على زريعة الطمع . ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : واللّه ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق ، وإنما كان الطمع هو أصل الذل لأن صاحب الطمع ترك ربّا عزيزا وتعلق بعبد حقير ، فاحتقر مثله ، ترك ربّا كريما وتعلق بعبد فقير فافتقر مثله ، ترك رفع همته إلى الغني الكريم ، وأسقط همته إلى الدنئ اللئيم إن اللّه يرزق العبد على قدر همته ، وأيضا كان عبدا للّه حرّا مما سواه وصار عبدا للمخلوق وعبدا لنفسه وهواه ، لأنك مهما أحببت شيئا ، وطمعت فيه إلا كنت عبدا له ، ومهما أيست من شيء ورفعت همتك عنه إلا كنت حرّا منه ، وفي ذلك يقول الشاعر : أبت المطامع أن تهشّمني * إنّي لمعولها صفا صلد العبد حرّ ما عصى طمعا * والحرّ مهما طاعه عبد قال في التنوير : وكن أيها العبد إبراهيميّا ، فقد قال أبوك إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 75 ] ، وكل ما سوى اللّه آفل ، إما وجودا وإما إمكانا ، وقد قال سبحانه : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [ الحج : 78 ] ، فواجب على المؤمن أن يتبع ملة إبراهيم ، ومن ملة إبراهيم رفع الهمة عن الخلق ، فإنه يوم زج به في المنجنيق تعرض له جبريل عليه السلام فقال : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، وأما إلى اللّه فبلى . قال : فاسأله ؟ قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي .